«لـيالي الــسَّعَدْ».. مشهدية الحُسن تدغدغ شغاف القلب

الخليج 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

في قصيدته الجديدة «ليالي السَّعَدْ»، يحلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بالكلمات في عوالم من الجمال، فيحملنا معه في مواكب بهية من الفرح، راسماً لنا لوحة تحمل بإبداعية عالية أكثر من مشهد يطل على نوافذ القلوب، ولئن جاءت القصيدة في استهلال عام جديد، فهي لا تخلو من الدعوة للاستبشار وروح التفاؤل، وكما عودنا سموه في جميع قصائده ونصوصه الشعرية، فهو يعطي للاستهلال النصي مكانة كبيرة بحسن اختيار المفردات، إذ إن مستهل القصيد عنده هو العتبة الدالة على كل النص، وهو الخطوة التي تمهد للسير الجميل في عوالم القصيدة بلا توقف، هو سير في فضاء مفتوح كأنه حلم في ليلة هادئة. يقول سموه في مطلع القصيدة:

يا ليالي السَّعَدْ
                       طايرْ الشُّوقْ غَرَّدْ
والهوىَ الحلوْ كلِّهْ
                       عندْ ظبيْ السِّليلْ

يرسم سموه في الأبيات السابقة لوحة شعرية بديعة، عندما يعلن الشوق عن نفسه، فيأتي التشبيه البديع بطائر يغرد ليعلن عن تلك النفحة. عن ذلك الشوق. وربما تكون ليالي السعد هي أيام سابقات حملن الهوى والوجد، فتحين من القلب التفاتة إلى تلك الليالي، ويغرد طائر الشوق معلناً ومفصحاً عن تلك المشاعر الجميلة والنبيلة، نحو المحبوب الذي يشبهه بالظبي في جماله الأخاذ:

طَعمْ ريقَهْ شهَدْ
                       منْ آذوقَهْ آتشَهَّدْ
بهْ شفا ألفْ علِّهْ
                       وأنا منهْ العِليلْ
مَعْهْ روحْ وجِسَدْ
                       لوُ جِرَحْنا مجَرَّدْ
ما درَىَ منْ يسلِّهْ
                       أيْ دَمٍّ يسيلْ
ظَبي بَطْشِهْ أسَدْ
                       في بعادِهْ تِعَمَّدْ
ذابحنِّي بدلِّهْ
                       وحشْ وجههْ جميلْ

ثم ينقلنا الشاعر نحو وصف المحبوب، الذي تجتمع فيه كل الصفات الجميلة، والمحاسن، فهو حلو القول كما الشهد، يشفي كل عليل، لكنه سبب العلة للشاعر، ولئن كان في جماله شبيه بالظبي، فهو ذو بطش وجبروت كأنما هو أسد في قوته، والشاعر يرسم لنا هنا لوحة جمالية في وصف المحبوب وإبراز صفاته، فهو يحمل الشيء وضده في تناغم وتناسق بديع، وكأننا أمام لوحة متعددة الزوايا، لموصوف متعدد الصفات، يبتعد حتى يثير كوامن الشوق ويتيه متدللاً كما هي صفات الحسان:

ما سليتِهْ أبَدْ
                       عَ غرامَهْ معوَّدْ
في فوادي محَلِّهْ
                       بينْ صبحْ ومقيلْ
بالجمالْ إنفرَدْ
                       كَنْ زينهْ مخَلَّدْ
في دلالهْ ودِلِّهْ
                       ما لمثلهْ مثيلْ
فَردْ يسوىَ بَلَدْ
                       منْ أشُوفَهْ آتبلَّدْ
مُورَدْ القلبْ لأجْلِهْ
                       كوثَرْ وسلسبيلْ

في الأبيات السابقة يحكي الشاعر كيف أن النسيان لم يتسلل إليه، ولم يجافي ذكر المحبوب فؤاده، فهو دائم التذكر له في كل حين، يصبح ويمسي على ذكراه الجميلة، فالقصيدة قد صاغها الشوق، وجمّل حواشيها الحنين، فأتت مزدانة بشهد الكلام، رقيقة كنسمة، حرة كخاطرة، لتتسابق الكلمات في عفوية للتعبير عن ما يجيش بقلب الشاعر تجاه من تفرد بالحسن والجمال، ذلك الحسن المثير للدهشة، الذي يقف المرء أمامه حائراً إلا من التعبير بالشعر، وهو ما لا يتأتى لأي شخص:

بهْ دوىَ للرِّمَدْ
                       ريقَهْ في طَرْفْ مروَدْ
الشِّفا لمنْ حصَلْ لهْ
                       كِلِّ علَّهْ يزيلْ
كنتْ أظنِّهْ سَنَدْ
                       لي عليهْ آتسَنَّدْ
وثَرهْ ما يسدِّ خلِّهْ
                       بالمواصَلْ بخيلْ
ناظري ما رقَدْ
                       ولي بشوكٍ موَسَّدْ
والمنامْ إستِخَلِّهْ
                       ذاكْ ليلهْ طويلْ

ويستمر في وصف المحبوب، بروائع الكلمات البديعة في حضرة جمال يشفي النفوس ويذهب سقمها، لكنه في ذات الوقت بخيل بالوصل، وهنا نقف أمام مدح يشبه الذم في اللغة، حيث إن الشاعر أراد أن يضفي على المحبوب صفات العفة والشرف، وهذا التشبيه كثير ما يرد في شعر العرب، فالبخل بالوصال يحمل دلالة غير المصرح بها، فهو يعني أن المحبوب أو الموصوف يمتلك الخلق الرفيع النبيل، ويتسم بالحياء والأدب، ثم ينتقل الشاعر إلى وصف ذاته حيال تلك الحالة من اللا وصال، حيث يعز المنام، وتتكحل العين بالسهاد، فيطول الليل، وكأنه هنا يستحضر بيت المتنبي:

لَيَاليّ بَعْدَ الظّاعِنِينَ شُكُولُ..
                       طِوالٌ وَلَيْلُ العاشِقينَ طَويلُ.
أحرسِهْ م الحسَدْ
                       مثلِ ها الزِّينْ يِحْسَدْ
منْ يشوفَهْ يجلِّهْ
                       وصفْ زينهْ جليل
الثنايا بَرَدْ
                       والشِّفايا توقَّدْ
وبالرِّموشْ المطلِّهْ
                       كمْ صريعْ وقتيلْ
طالبنِّهْ ورَدْ
                       بالمعاتبْ وجَدَّدْ
جيتْ شافي لَعَلِّهْ
                       بالمواصَلْ ينيلْ

يواصل الشاعر في وصف حسن المحبوب، إذ لأن جماله أخاذ، فهو يخشى عليه من الحسد، فهو جمال يدهش الناظرين فيجلون هذا الحسن البهي. ثم يتعمق الشاعر في وصف المحبوب ومحاسنه الفاتنة:

مثلْ طلبَةْ ولدْ
                       لوُ إنعِطا شَيِّ عَوَّدْ
والطَّلَبْ ما يمَلِّهْ
                       لوُ عطوهْ الجزيلْ
ما وفا بالعَهَدْ
                       قالْ لي يا محمدْ
لكْ أنا العمرِ كلِّهْ
                       الموِدِّ الخليلْ
عافني وإبتعَدْ
                       ولعذابي تقَصَّدْ
وأنا روحي فداً لهْ
                       وما لحبِّهْ بديلْ

يأخذنا سموه في خواتيم القصيدة إلى لحظات تتباين فيها المشاعر، فبالرغم من الهجر والابتعاد من قبل المحبوب، إلا أن الشاعر يعلن من جهته أنه لن يبدل حبه أبدا، وسيظل وفيا له.
القصيدة رغم طابعها العاطفي، إلا أنها متعددة الدلالات كما هو الشعر والقصيد عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهو يأتي كلوحة تشكيلية تمنح للناظر بعض المفاتيح لقراءتها، وتمسك عن أشياء أخرى، فالنص ينتمي إلى مدرسة السهل الممتنع، حافلا باللغة الجميلة المنسابة كنهر عذب المورد.

حديث القلب إلى القلب

يرسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في قصيدته الجديدة «ليالي السعد»، لوحة شعرية غاية في الجمال والدفء، يضمّنها أجمل الكلمات والأوصاف التي تنساب كعطر يفوح بعبيره وشذاه الطيب، كلمات أشبه ما تكون برحيق الزهور.. شفيفة ومؤثرة.. تحرك أفئدة ومشاعر قرائها.
يثبت سموه في كل قصيدة يبدعها، أن الشعر ليس مجرد وصف أو رصف للكلمات الجميلة، بل هو أعمق بكثير من ذلك.. الشعر هو حالة عالية من الإبداع، ينطق خلالها الشاعر بفكرة تحرك الفؤاد.. وتقترب من موضوعها لتحاوره وتجادله وتتشابك معه، فتنتج إبداعاً فارقاً يترك أثره طويلاً، ويتجذر عميقاً في وجدان قارئه.
«ليالي السعد» مفتتح شعري خلاق، فيه من عذوبة الكلام ورقة الوصف الشيء الكثير، هي ليال قضاها الشاعر رفقة محبوبه.. أو أنه قضاها وهو يتذكره.. يتذكر كل ملمح وحركة وتفصيل.. يتذكر محبوباً ملء قلبه ودنياه، فكان هو الخليل والرفيق، رغم تدلله وصده وهجرانه.. هو السلوان والدواء لكل حالة وموقف يعيشه الشاعر.
بالجمال وحده يمكن أن نصف هذه الأبيات المملوءة بالعاطفة والمحبة. جمال منثور فوق أرض الشعر، وحكاية تروى كأنها حكاية فحول الشعر قيس وعنترة وجميل وغيرهم، الذين تركوا أروع القصائد في أحبتهم، وجادت قرائحهم بالوصف الرقيق العذب، والصور الرائعة التي كانت بمثابة الأثر المباشر لخيال هؤلاء الشعراء، فالصورة هي المختبر الأول لقوة هذا الخيال، ومدى اتساعه وعمقه، والخيال عند الشعراء هو صنو الموهبة، بل الموهبة ذاتها.. لذا لنا أن نرى هنا أي إبداع نقشه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في هذه القصيدة وفي غيرها من ديوانه الشعري الواسع.
هذه القصيدة هي حديث من القلب إلى القلب، ومن النفس إلى النفس، لا شيء يفصل بين الواصف والموصوف، فقد اتحدا وأصبحا واحداً. هي تجربة فاعلة ومنفعلة، مملوءة بفيض من العواطف والشعور الرقيق الحساس.. تجربة انصهرت فيها المعاني والأوصاف والكلمات لتنتج قولاً صادقاً لشاعر سار في درب المحبة حتى منتهاه، فكان مخلصاً على الدوام: وأنا روحي فداً لهْ... وما لحبه بديلْ.

المحرر الثقافي

وأخيراً، نتقدم لكم بجزيل الشكر على زيارة ومتابعة الشرق تايمز ، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل «لـيالي الــسَّعَدْ».. مشهدية الحُسن تدغدغ شغاف القلب , والمصدر هو المسئول عن صحة الخبر.
المصدر : الخليج

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق