عاجل

«الصعيدية».. جبروت ملكة (الحلقة الأخيرة)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
«الصعيدية».. جبروت ملكة (الحلقة الأخيرة) من موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الاثنين 2 سبتمبر 2019 .

البحث عن هوية مصر ومحاولة تحديد الملامح المميزة للشخصية المصرية موضوع كتاب «سندباد مصرى»، فالمؤلف يطوف في تاريخ مصر متلاطم الأمواج، مقدمًا رؤية خاصة لها عبر مختلف الحقب التاريخية، كما يلقى الضوء على أبرز التحولات والمواقف التي أسهمت في تكوين الشخصية المصرية.

في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة من الكتاب يعرض المؤلف ثالثة ملكاتنا «مصرية صعيدية»، كانت أعظمهن شخصية وقدرًا. فالحرب التي مارستها لم تكن حرب فتوح، لكنها كانت حرب امرأة تطالب بحقها في العرش- مثل كليوباتره- وتحصل عليه. ثم تطلب شيئًا لم تفكر به كليوباتره ولا شجرة الدر، وهو مساواتها بالرجال وتمارس المهنة المصرية القديمة: صناعة الحضارة!.

أضاعت الملكة كليوباتره (بنت الزمار) عرش البطالسة واستقلال مصر، وحفظت أم خليل الملك، الذي ورثته عن آل أيوب، لخشداشيها.

كانت كليوباتره آخر ملوك البطالسة، وكانت شجرة الدر أول سلاطين المماليك، أما ثالثة الملكات، فلم تختم على خيبة أسرة ملكية، ولم تفتح الطريق لأسرة ملكية، وإنما قامت في الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية بشخصيتها الفارعة، وسط صف من الملوك العظام: أسرة تحوتمس وأمنحوتب، والثائر أخناتون، والملك الصغير المرتد توت عنخ آمون.

ثالثة ملكاتنا مصرية صعيدية، وكانت أعظمهن شخصية وقدرًا. فالحرب التي مارستها لم تكن حرب فتوح، ولا حرب دفاع، ولكنها كانت حرب امرأة تطالب بحقها في العرش- مثل كليوباتره- وتحصل عليه. ثم تطلب شيئًا لم تفكر به كليوباتره ولا شجرة الدر، وهو مساواتها بالرجال: فتسوى بالرجال، لا لترفس وتنطح، بل لتعمل من أجل السلام، وتمارس المهنة المصرية القديمة: صناعة الحضارة!.

في حفلة الملعب الإسكندرى، أطلق زير النساء الرومانى على عشيقته المقدونية لقب ملكة الملوك- لا الملكات، ولكن ملكة الملوك حقا، كانت حتشبسوت. لأن كليوباترة مثل شجرة الدر كانت قبل كل شىء. امرأة، ولها كل صفات الأنثى من قوة محركها الضعف. وسيطرة عن طريق اللعب بالعواطف، واستغلال حب الرجال. ومن قدرة على حبك المؤامرات والحيل. كانت حياة كليوباترة سلسلة من المغامرات، تختلط فيها السياسة بالعاطفة. فعلاقاتها الغرامية – أو على الأقل ما حفظه التاريخ منها كانت ذات هدف سياسى، سواء عشقت ابن بومبيوس الكبير، أو انطوت وتكورت في أحضان قيصر، أو فتحت صدرها البض ليغوص فيه رأس أنطونيوس، ولكنها قد قاربت الأربعين، جربت أخيرًا حظ كاليبسو من تليماك، وعرفت بأس الملكة ديلونة من إخضاع إنياس، فجرى عليها مع أكتافيانوس ما جرى على ملكة قرطاجة مع بطل الإلياذة. وآثرت الموت على الحياة عندما تحققت من بطلان سحرها.

شجرة الدر كانت حياتها هي أيضًا حياة أنثى، ولكن في الحلال. ووراء أستار البردة.

حكمت على بعلها التركمانى أيبك بتطليق ضرتها أم ولده. فنفذ حكمها صاغرًا، وعندما تحقق بطلان سحرها، أو عصيان أوامرها: سار عز الدين أيبك في إجراءات الخطبة لمصاهرة صاحب حلب، ودبرت قتل زوجها شر قتلة، وكانت كتلك الحيّات التي يقال إنها تموت إذا ما أفرغت سمها القتّال، ولكن أعداءها لم يمهلوها. بل سحقوا رأسها بالقباقيب سحقاً، ورموا جثتها عريانة في خندق القلعة.

أما حتشبسوت، فكانت المرأة- الرجل حقا، كانت المسترجلة بالمعنى المعاصر على الأقل فيما عرفناه عنها، وحدثتنا به آثارها. ولقد ضحكت سخرية يوم عرفت أن بعض المؤرخين المحدثين يتهمون صلاتها بمنهدسها سن- موت، وذلك لأن الصورة السيكولوجية التي بقيت لنا عن تلك المرأة الغربية، ليس فيها سوى قليل من الأنوثة. ولست أعنى أن عملية جراحية حديثة كانت تحولها إلى رجل، فإننا نعرف للملكة المصرية بنتين. والقليل الذي نراه من صورها لا يمكن الاستدلال منه على أكثر من أنها مثلت نفسها في ملابس الفرعون، ولست أجد فارقًا كبيرًا بين تمثالها من حجر الجير الذي استصلحه الأمريكان. والموجود بمتحف المتروبوليتان. وبين التمثال الرائع لتحوتمس الثالث بالمتحف المصرى. ففى التمثالين نرى صورة من صور الشباب، وقد غطى كل منهما رأسه بذلك الغطاء المصرى الصميم، الذي يعطى رأس خفرع. ورأس أبى الهول، وستر كل منهما النصف الأسفل من جسده بالمئزر المصرى القديم، ونرى حتشبسوت على مسلتها الملقاة قرب البحيرة المقدسة بالكرنك، وهى في هيئة شاب يافع، يلبس التاج الأزرق المنتفخ، يطل منه الصل الملكى فوق الجبهة. وفوق صدرها العقد الملكى ذو السبع بوردورات.. أو الستة الصفوف، وفى خصرها المئزر يغطى ساقيها حتى فوق الركبة، وقد ركعت بين يدى آمون رع، وأولته ظهرها، وإله طيبة يرفع يديه في حركة مَن يباركها.

أو ربما في حركة إلباسها التاج الأزرق، وفى أعلى الصورة. بالحفر البارز. رمز السماء بنجومها في خط مستقيم. وتحته نقش أسم «آمون- رع. رب السموات». وقوله: آتينا ابنتى معا- كا- رع ملك الأرضين، وتراث آتوم، عربونا دائمًا على حبى لتلك التي وهبناها الحياة.

وفى صور أخرى لها. تظهر بلحيتها المستعارة، كعادة ملوك الفراعنة، وهى في جميع صورها تمثل مفلطحة الصدر، وجاء عليها حين رفعت حرف التأنيث من اسمها. فهى ملك مصر لا ملكتها. وهى الفرعون لا الفرعونة، وهى حتشبسو لا حتشبسوت، ومن أسف أنه لم يعثر على موميائها من بين المومياوات التي عثر عليها في القرن الماضى بقاع بئر عند معبدالدير البحرى.

وحتشبسوت من أهم شخصيات الأسرة الثامنة عشرة، خلفت لنا آثارًا عظيمة: مسلتا الكرنك: القائمة. وهى أعلى المسلات بالكرنك، والنائمة. ثم المعبدالصغير الأنيق هناك. المعروف بقاعات الملكة، وهيكل سفينة آمون.

والصرح الثامن بالكرنك، ولكن أعظمها معبدها الكبير بالدير البحرى رائعة الروائع، وهو من طراز مختلف عن الطراز المعروف في ميعاد الدولة الحديثة. يظهر أنه يستوحى طراز المعبدالجنائزى لميتوحوتب، الذي لا تزال بقاياه المهدمة قائمة بالدير البحرى، إلى جانب معبدحتشبوت، والغالب أن هذا الطراز كان سائدا في الدولة الوسطى. ومع أن الملكة الصعيدية حكمت أكثر من عشرين عاماً، فإننا لا نجد لاسمها أثرًا في القوائم الملكية المعرونة! ومحى اسمها من الحانات والخراطيش الملكية، وضرب على الخطوط التي تمثل شخصها في الصور الحائطية.

حتشبسوت ما زال أمرها لغزًا تاريخيا، تضارب الأثريون في طريقة حله، وذهب العلامة كورت زيته في التعقيد شوطًا بعيداً، ليفسر التسلسل التاريخى فيما بين تحوتمس الأول وتحوتمس الثالث. ولم يؤخذ برأيه فيما نعلم، وذهبت تفسيراته إلى غير رجعة. لأن الأمر لم يكن بحاجة إلى كل هذا اللف والدوران، فإن تحوتمس الثانى، وقد تزوج أخته حتشبسوت، وترك بعد وفاته ابنتين شرعيتين- أي من أمهات ملكية- وولدًا غير شرعى، أي من زوجة غير ملكية. وقانون الوراثة المصرى كان يعنى بالأمومة تبعًا للنظام المتر ياركالى، ولكن الإمبراطورية التي أسسها تحوتمس الأول بجيوشه حتى نهر الفرات شمالا، وإلى الشلال الثالث جنوباً. كانت بحاجة إلى ملك يقود الجيوش. والغالب أن الحزب العسكرى خشى أن تجلس على العرش امرأة، فانتهى إلى أن يولى هذا الابن غير الشرعى، وهو تحوتمس الثالث. على أن يتزوج ابنة عمته حتشبسوت زوجة وأخت تحوتمس الثانى، وابنة تحوتمس الأول، ولتوكيد الحق الإلهى لتحوتمس الثالث أشار في آثاره- عندما بلغ مبلغ الرجال، وتولى الملك وحده. بعد موت حتشبسوت- إلى أن الرب آمون بنائه هو الذي اختاره العرش آبائه، فتقول النقوش التي وجدت بالكرنك بأن تحوتمس هذا، وهو الابن غير الملكى. كان يدرس استعدادًا لتولى وظيفة كهنوتية بمعبدآمون، وأنه في خلال حفل دى. وقد حمل الكهنة تمثال آمونم قدس الأقدام، فتجول التمثال المحمول هنا وهناك وكأنه ينشد ضالته على طريقة النعش في عصرنا حين يطير بميته، تم وقف في مواجهة الشاب تحومس.

بمكان يعرف بموقف الملك، وبذلك أعلن آمون من فرحته بابنه، وفى هذا يقول تحوتمس الثالث:

ولقد فتح لى أبواب السماء، فتح لى مغاليق أفق دع «أى قدس الأقدام»، فاندفعت طائرًا كالباشق الإلهى. أتأمل كيانه في كبد السماء، وصليت بجلالة الرب، ورأيت في مسار الأفلاك وجه ذى الجلال والإكرام.

لقد ولانى رع بنفسه، وتوجى بالتيجان المرفوعة على رأسه، وعقد العمل الملكى على جبين.. وتلقيت عنه مراسم الألوهية، ووضع على الأسماء الملكية العظيمة.

ولما كان تحوتمس عند توليته التي يشير إليها حدثا متزوجة من طفلة- ابنة حتشبسوت- فقد اضطلعت عمته وحماته هذه بشؤون الحكم، كوصية على تحوتمس الثالث، ثم أزاح الغلام، وتولت الملك حوالى اثنين وعشرين عامًا «١٥٠٠ حتى ١٤٨٣ ق.م.».

وتصف نقوش معاصرة الموقف عند موت، تحوتمس الثانى على الوجه التالى: وصعد الملك إلى السماء ليدرج في عداد الآلة، وتولى ابنه أي تحومس الثالث مكانه ملكا على الأرضين، وجلس على عرش من أنجبه. ساست حتشبسوت، ابنة الرب، أمور الدولة حسب ما رسمت، وأحنت مصر رأسها تعمل من أجلها، تلك النطفة من صلب الرب. لقد كانت حتشبسوت الحبل الذي تعتم به مصر السفلى، والعماد الذي تعتمد عليه مصر العليا، وكانت الدقة المستقيمة للدلتا، والسيدة التي تدبر الخطط، وتصدر الأوامر، فينزل السلام على وجه الأرض.

وليس معروفًا ما جرى لتحوتمس الصغير «الثالث» أيام استيلاء حتشبسوت على العرش، فاسمه يظهر في النقوش خلف اسم عمته في أول الأمر، ثم ما يلبث أن يختفى هذا الاسم طوال حكم عمته. حتى يتولى الملك وحده، بعد موت الملكة المعظمة نفسها، ولا يمكن أن نتصور أن هذا الشاب الذي سيصبح أعظم ملوك مصر قاطبة- راضيًا بأن يهمل هذا الإهمال الطويل. فهل كان معتقلا أم كان هارباً؟ من يدرينا؟ إنما نحن نفهم لماذا يحرص بعد موت عمته على أن يدق ويضرب ويمحو اسم الملكة حتشبسوت ورسمها أيا كان. فلم يكن الأمر مجرد إبعاد اسم حتشبسوت من القوائم الملكية لأنها امرأة. وقد حكمت مصر القديمة ملكات مشهورات، وإنما كان عملا موسومًا بالتشفى والغضب، وقد سبق القول بأن الحب الذي استخلصت منه مومياوات ملوك الأسرة وكثير غيرهم، لم يكشف عن مومياء حتشبسوت. فهل جرى التشفى أيضًا على جنان الملكة.

ثم كيف استطاعت الملكية الاستئثار بالحكم إلا أن تستند إلى قوة بحزب معين؟ ونحن نعرف أسماء زعماء ذلك الحزب الذي آزرها، وأول هذه الأسماء «سنن- موت» الوزير والمعمارى الكبير، ثم هارو- سئيب، كبير الكهان، ثم حامل الأختام «نه- ميا»، أو وزير الخزانة بيت الذهب والفضة وتوفى. حزب الملكة إذن هو حزب آمون الإله الأعظم، وكان كبير كهنته، وهاب وسنبه، يجمع في يديه السلطتين الروحية والزمنية، لأنه كان رئيس وزراء المملكة، ومن هنا يمكن أن تدرك ما بلغته الرئاسة الدينية في الدولة الحديثة من سؤدد، والأوج الذي أرتفع إليه آمون- رع وسدنته.

وتعلن الملكة على جدران معبدها بالدير البحرى إخلاصها لربها. وأنها في سبيل آمون أولدت، تحت إمرة رنه.. سيا، بعثتها التجارية إلى بلاد بونت، وعادت بأشجار العطر والبخور وكثير غير ذلك من منتجات الجنوب: وهذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها تلك الأعشار الثقيلة لآمون، ومعها عجائب البونت وغرائبها، وأعدت جلالتها بنفسها عطرًا شذيها، فسمحت به جسد الرب، فتضرع كما يتضرع الندى الإلهى.. وانتشر أريجه في الأقطار والآثاق حتى بلاد بونت، وتوهجت بشرة الإله، وكأنها عجنت بالنضار. وتألقت طلعته كأنها النجوم الثريات.

ولا تفتأ حتشبسوت تؤيد حقوقها الملكية على جدران معبدها الكبير بالدير البحرى، وفى لهجتها تحد لا يختفى. فهى تؤكد أن أباها، تحوتمس الأول، هو الذي اختارها وأعدها لتتولى العرش، وأن الآلهة أمنت على اختياره.

ثم تذهب إلى أبعد من كل هذا، فتدعى أن أباها الحقيقى كان آمون بنفسه! وترسم على جدران الميلاد قصة حمل أمها بها وولادتها، فتعلن على رؤوس الأشهاد أسرار ميلادها الإلهى، الذي يثبت حقا لها لا ينازع، وإعلانها هذا ليس فيه من جديد على الملكية المصرية. مدى تولى الملك، قبل عهد الأسرات، آلهة وأنصاف آلهة استخلفوا على عرش مصر ملوكًا في صورة الآدميين، كانوا أبناء رع، وأبناء أوزيريس، وكل منهم في ذاته هروس المتجسد، بيد أن قصة ميلاد حتشبسوت تتخذ هنا صيغة مادية، تصور لأول مرة على جدران رائعة الروائع، معهد الدير البحرى.

كانت حتشبسوت قبل ذاك تدعى فقط والسيدة الملكية العظيمة: «هورت» صيغة المؤنث لهورسا ررعت «صيغة المؤنث» الرع، ولكنها بعد، بدأت تمثل نفسها في هيئة الرجل، بالمئزر القصير واللحية القصيرة، ويتحول اسمها المؤنث، حتشبسوت، إلى المذكر حتشبسو، ومعناه: أول النبلاء، وكان قبلا أولى النبيلات. ثم تصور بالحفر البارز سلسلة من النقوش تمثل ميلادها الإلهى وسلسلة أخرى تمثل تتويجها.

فأبوها الفعلى. آمون رع، يجتمع في الصور بأمها الإنسانية أحماسى يجلس الإله آمون- رع في مواجهة الملكة أحمأسى على سرير له رأس أسد، وأرجله بغالب أسد. وتلتف الساق بالساق في حماية إله السماء ونيت.. وإلهة أخرى: وسلجت.. ويحف بالرسم نص شعرى لا يدع مجالا للشك في طبيعة الاتصال بين الرب والملكة أحماس.

وهذا ما يقوله رب الأرباب آمون- رع، عندما تمثل لها بشراً، وتقمص صورة ملك الحبوب وملك الشمال: تحمس الأول. دخل على الملكة وهى تضجع في خدرها بالقصر الجميل، فأفاقت لنفسها على أريج الإله. وعقدت الدهشة لسانها طرأى جلالته يتجه إليها، ويجتمع بها، ويضع قلبه على قلبها. ثم يعود الرب إلى صورته السماوية، وهى تتملى من جماله، وأعطافها ترجف بحبه، وعبير الإثه. وعطر فه، يتضوعان بروائح أفاويه الجنوب.

وهذا ما تقوله الزوجة الملكية أحماسى في حضرة آمون: ما أعطى نفسك. وأشرف محضرك، وأنت تجتمع بلالى في رقة، ونداك يسرى في كل أعضائها، وبعد ما ينال ذر الحلال وطره منها، يقول لها: سيكون اسيم الابنة التي تلدين: سيدة النبلاء التي من صب آمون به، وستستوى على العرش، تى بالخير والإسعاد على طول البلاد وعرضها، فهى من روحى وقلبى: إنها بنت مشيئى.

وتاجها هو تاجى، حتى تحكم الأرضين، وتقود، كاه وات الناس أجمعين،. وصور أخرى تمثل، ثوم، الرب الفخرانى، وهو يسوى على دولابه الصورة الدنيوية للطفلة الملكية ولعفريتها- وهو القرين أكاو- وعند ما تحل اللحظة المرصودة. يجىء الملكة أحماسى المخاض، فإذا الطفلة، وعفريها دكا، يخرجان من تحتها، فيقبل آمون الكا، والطفلة، وبها، هذهما، ويعدهما عماد التطهير الأول، ويعدهما بتولى عرش هوروس، وذلك بحضرة الآلهة.

وصور تمثل ما حدث لحتشبسوت. والبتول الزهراء.. عندما توجها أبوها الإنسانى، بمعبد، لبن، في هليوبوليس، وحشد لها الفرعون الشيخ أشراف بلاطه، وكبار رجال دولته، وقدم لهم ابنته، وحملها بين يديه في الحركة التقليدية للحماية.

وهذه هي الطفلة خنوم- أمون- حتشبسوت، التي تصدر الأوامر في كل مكان بالقصر الكبير لر عار- إسها وليم الحتى، هي التي تسير أقداركم، وهى التي تسمعون كلامها، وتصدعون جميعًا بأوامرها، من أخلص لها طال بقاؤه، ومن تقول عليها بسوء فالموت لا محالة مدركه. أقبلوا مراعا لتبايعوها أمام الملك، وقد سمعتم اسم جلالتها، كما فعلتم باسمى. لأن هذه الآلة ابنة الريب والأرباب حراسها على مر الأيام، الزائدون عنها على مر العشى. هذا قضى سيد الآلهة.

وسمع الأشراف الملكيون فخروا سجدًا لكل الآلهة، ودعوا للملك تحوتمس الأول، وخرجوا مهللين يرقصون فرحًا ويطيرون هناء. ثم سجل التوقيع الملكى الحب، الأسماء الملكية لحتشبسوت مكذا: الإله آمون رع أوصى كتاب التوقيع بتأليف الأسماء حسب ما جاء في النطق الإلهى.

ثم تقدم الملكة بواسطة الكاهن: أنموتيف، في، الفرعار ١. حيث أقام وسقا العرشين الملكيين، حتى أرق عرش مصر العليا، ثم عرش مصر الدنيا، رمز اتحاد الوجهين. وبدور الموكب حول السور، ذلك الطقس المعروف في أعياد التتويج، مثل عهد، مينا، والكهنة مقنعون برأس الصقر اهورو، ورأم الكلب است،، بشمون على جبين الملكة تاج الوجه القبلى المخروطى الأبيض. تاج الوجه البحرى الأحمر المستدير. وتظهر في مقدمة الموكب الشعارات الطوطمية التي نراها في آثار ملك الأسرة الأولى «نعر- مر»

وتختم الاحتفالات- أو سلسلة التصاوير- بتقديم تحوتمس الأول طفلته الملكية حتشبسوت إلى الثالوث الطيبانى المعظم: آمون- موت- خونصوا، فيستقبلها كل منهم، ويباركها، بينما يسجل، توت، في لوحة المحفوظ، اليوبيلات الثلاثينية الكبيرة أي أعياد سد، في حياة الملكة مستقبلا، ويحرر صيغة البلاغ الذي يعلن به للتاسع الأكبر خبر تتويج حتشبسوت. فيغطها كل منهم إعلامًا بارتقائها إلى القام الفرعونى، وهو مرتبة من مراتب الألوهية.

وبهذه النعوت والصور المنقوشة على الدير البحرى وغيره، نعرف أن حتشبسوت حذقت فنا اشتهر به فراعنة الدولة الحديثة، فكانوا أول من عرف الطبل والزمر والدعاية، ومارسوها كما لم يمارسها الدكتور يوسف جوبلز، بعدهم بحوالى أربعة آلاف سنة!.

وإذ تتولى حتشبسوت العرش المصرى -بالقوة أو بالحيلة أو بالطنطنة- لا يهم. ـ تكرس حياتها لصناعات السلام والحضارة، وتأمر بوقف الغزوات والفتوح، التي بدأها أسلافها بعد طرد الهكسوس. وتعمر الدروب إلى المحاجر، وتوجه البعثات التجارية إلى البلاد البعيدة، على غرار بعثها إلى بلاد بونت، وهى المسجلة على حوائط الدير البحرى، تسجيلا رائعاً، ما أحسبه إلا في طريقه إلى أن تمحوه الحدثان، كما أخذت تمحو تصاوير مقابر بى حسن، تقاعسًا منا وإهمالا، وإن إحساس حتشبسوت بوطنها الغالى يظهر من نقشها تتحدث فيه عما قامت به من إصلاح وترميم للمعابد التي خربتها منذ قام حكم الآسيويين في أواريس بالدلتا، وحين قام أولئك الغرباء الرحل بتدمير كل ما بناه السالفون. لأنهم كانوا في جهالتهم يعمهون، كفروا بالرب رع، والإله آمون. ولم يجئ لتنفيذ ما رمم به الآلهة إلا جلالتها.

قليل غير هذا ما تعرفه عن الملكة حتشبسوت. والأقوال تضاربت في تفسير ما تركت لنا من نشرات دعائية، ولكن لا تضارب ثمة في أن معبدالدير البحرى عمل له حساب كبير في تاريخ العمارة، يدل على فهم من أنشأوه لخصائص الطبيعة المصرية، وإحساسهم العجيب بخطوط الربوة العالية المطلة على وادى آمنى، في طيبة الغربية. وانتفاعهم بتضاريسها في إقامة الطوابق الثلاثة، بإنهائها ذات العماد.

والقليل الذي تعرفه عن ابنة آمون البكر يكفينا لتؤلف لها قى أذهاننا شخصية المرأة الذكر، وهى المصرية الأصيلة. على المقدونية ابنة الزمار. والمملوكة الصالحية. والدة المرحوم خليل!.

وأخيراً، نتقدم لكم بجزيل الشكر زوار ومتابعي موقع الشرق تايمز، كما نعدكم بتقديم كل ماهو جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، حيث قمنا بنقل ( «الصعيدية».. جبروت ملكة (الحلقة الأخيرة) ) , والمصدر هو المسئول عن صحة الخبر أو عدمه.
المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق