د. عصام عبدالفتاح يكتب: أوهام الاعتدال فى الخطاب الدينى

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
د. عصام عبدالفتاح يكتب: أوهام الاعتدال فى الخطاب الدينى من موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأربعاء 15 يناير 2020 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كلما أثيرت إشكالية «تجديد الخطاب الدينى» سواء فى المؤتمرات التى تعقدها المؤسسات الدينية المختلفة أو فى البرامج الإعلامية، اقترن مفهوم التجديد بمفهوم آخر اختلط معه بل صار مرادفا له، وهو مفهوم الاعتدال أو الوسطية. وبمعنى آخر صار الحديث عن تجديد الخطاب الدينى حديثا حول الوسائل التى يمكن بواسطتها التخفيف من حدة التشدد فى الأحكام الدينية إلى أقصى درجة ممكنة وتكثيف جرعة التسامح بالاغتراف من معين القيم الإنسانية الكبرى التى تدعو الأديان إلى التمسك بها. ولا شك أن كلمات مثل «الاعتدال» و«الوسطية» لها تأثير محمود فى النفوس وكثيرا ما تستخدم مثل هذه الكلمات لكى توصف بها تيارات فكرية ودينية معينة فى إطار اتجاهات مذهبية وأيديولوجية متنوعة. فقد سمعنا عن الماركسية المتشددة والماركسية المعتدلة وما زلنا نسمع حتى يومنا هذا عن اليمين المتطرف واليمين المعتدل والإسلام المتطرف والإسلام المعتدل إلخ. والحق أن كلمة «الاعتدال» أو «الوسطية» رغم ما قد يبدو على دلالتهما اللفظية من وضوح وبساطة تنشرح أمامها الصدور لا تخلوان من الغموض والمراوغة. وعلة ذلك فى رأينا أن مفهوم الاعتدال يفترض فى معناه ضربا من التدرج يأخذ شكل درجات السلم الذى تشير درجاته العليا إلى الغلو والتطرف فى الأحكام بينما تشير درجاته السفلى إلى مزيد من التخفف فى الأحكام. والواقع أن كلمات اللغة كلها تنطوى على نوع من التدرج يسمح لنا بأن نستخدم معها كلمات ظرفية تشدد من معانيها أو تخفف منها. مثل عبارة «الطقس لطيف جدا» أو «السماء ملبدة قليلا»، بل إن أشد الكلمات جمودا مثل «الموت» تقبل فى دلالتها اللفظية شيئا من هذا التدرج اللغوى.

.. فكثيرا ما نسمع عبارة تقول «فلان مات وشبع موت» من قبيل التشديد على درجة الموت بمضى الزمن. وإذا ما عدنا إلى الخطاب الدينى فكلنا يعلم أن ثمة إجماعا بين الآراء على أن الإمام الشيخ محمد عبده يضرب به المثل فى الوسطية والاعتدال فى الأحكام حيث اتسمت أحكامه بعقلانية منفتحة بالرغم من ظهور تيارات دينية تزعمها تلامذة له أمثال رشيد رضا اتسمت بالانغلاق الشديد بل أدت فى نهاية المطاف إلى تأسيس حركة الإخوان المسلمين. فالمعلوم أن حسن البنا هو الابن الروحى لرشيد رضا. وإذا ما أخذنا كل هذه الأمور فى الاعتبار نستطيع بسهولة أن ندرك إلى أى مدى ألحقت جماعة الإخوان أضرارا كارثية بمستقبل العالم العربى وأعاقت انطلاقاته الحضارية أيام الوفد وأيام عبد الناصر فى مصر. إذ يعزى إليهم التصدى لكل أفكار حداثية كان يمكن لها أن تلحق العرب بركب العصر لو أنها لم تجهض بسبب أفكارهم الأصولية. ولئن خرج من جماعة الإخوان رموز شهيرة أشيع عنها الاعتدال والوسطية فى الآراء فهى لم تخرج عن النموذج الفكرى التقليدى «الباراديجم» الأصولى. والواقع أن فكرة التفرقة بين تيار متطرف وتيار معتدل وسطى داخل حركة مذهبية معينة تحتاج إلى قدر من التحليل. فالتفكير المنطقى يعلمنا أن منطق المذهب هو دائما أقوى من إرادة صاحبه. ذلك لأن مفهوم تجديد الخطاب الدينى لا يعنى على الإطلاق ضرورة النزول بالأحكام إلى الدرجات الأقل تشددا خاصة إذا كان التشدد ذاته هو نتيجة حتمية لمنطق الفكر الأصولى. وإنما يعنى ضرورة استبدال الآليات التقليدية فى فهم النصوص الدينية بآليات فكرية جديدة استحدثتها علوم اللغة وتحليل الخطاب استنادا إلى مبدأ «لا سلطان على العقل إلا العقل». وإذا كان ابن رشد هو أول من دعا إلى استخدام العقل فى تأويل النص الدينى حينما يتعارض معناه الظاهرى مع حكم العقل بالبحث عن المعنى المجازى فلا عجب إن رأينا فقهاء عصره الذين احتكروا لأنفسهم الحقيقة المطلقة فى فهم النصوص الدينية بحيلهم الفقهية القديمة هم أول من دسوا له عند الخليفة متهمين إياه بالكفر والزندقة. وتقوم فكرة التأويل العقلى لابن رشد على مسلمتين أساسيتين: نسبية الحقيقة وتغير الحكم وفقا لتغير الظرف التاريخى وفقا لما يقتضيه العقل. وهنا يسأل سائل: أيعنى ذلك رفض الثوابت؟ والإجابة ببساطة شديدة هى أن المبدأ الثابت هو الذى يدخل فى صميم المعتقد الدينى وحده أما ما يتعلق بأمور الدنيا ومشاكلها فهى تدخل تحت سيادة العقل والحكمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق