السودان: فشل ياسر عرمان... (الحلقة الرابعة والأخيرة) .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فشل ياسر عرمان... (الحلقة الرابعة والأخيرة) .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إنَّ إقرار ياسر بأنَّ المطالبين بحق تقرير المصير في النيل الأزرق أقلية وقلة قليلة سيُغلبون في التصويت عند الاستفتاء لا يسنده أي واقع علمي أو دراسة إحصائيَّة. فالمعروف أنَّ في السُّودان ليست هناك إحصاءات دقيقة وموثوقة بها يمكن الاعتماد عليها في التخطيط أو الاستفتاء الآن، وحين تتوفَّر تلك الإحصائيَّة يمكن بعدئذٍ الحديث عن مفاهيم الأقليَّة والأغلبيَّة، لأنَّ الواقع اليوم في السُّودان ينبغي أن يقوم على الحقوق والواجبات والعدالة دون الإفراط أو التفريط في هذه الشروط الجوهريَّة في المواطنة. فلقد عرف مواطنو النيل الأزرق الحق بأنفسهم فلن يضحك عليهم أحد مرة ثانية. فلا يخالجني أدنى شك بالوعي المتقدِّم الذي طرح به الرفاق بالنيل الأزرق قضيتهم التي لا تختلف كماً وكيفاً ومضموناً عن قضايا الهامش السُّوداني، والتي تستدعي الحلول الناجعة لها. فأهالي النيل الأزرق تواثقوا على سلام عادل يلبي مطالبهم أو مواصلة المطالبة بحق تقرير المصير، وإلا فإنَّ الحياة في باطن الأرض أفضل لهم! حقيقة وقفنا طويلاً نتمعَّن في مصوغ ما أثاره ياسر عرمان لربطه أو لنربطه بتصريحه فلم نخرج منه بما يفيد. ثم أمعنا في قراءة بيانات وتسجيلات مكتوبة ومرئيَّة ومسموعة، وتفاعلات للرفاق والرفيقات في النيل الأزرق، ولم نر أحداً غيرهم يتحدَّث ويحاجج في قضيتهم بوضوح وبمسؤولية، ومنطق سليم أفضل منهم. هؤلاء وأولئك هم أصحاب القضية، وهم الآن يطالبون بتقرير مصيرهم إن لم تتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة عبر آلية تحقيق السُّودان الجديد الذي تنشده الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان-شمال.
أما مسألة ضرورة وجود الحدود بين المنطقتين التي أثارها ياسر فلا معنى لها، لأنَّ ما يجمع بين جبال النُّوبة والنيل الأزرق حقيقة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء إذ يجمع بينهم التهميش بكل أنواعه المختلفة والتي حدَّدتها الحركة الشعبيَّة في مسودَّة برنامجها السياسي. وبالطبع ليس هذا من تفكير ياسر لأنَّه لا يملك الفكر إذ ورد نفس الكلام في مقال للأستاذ كمال الجزولي ينتقد فيه مطالبة الحركة الشعبيَّة بتقرير المصير لجبال النُّوبة والنيل الأزرق، وعزا صعوبة ذلك "لانعدام الوحدة الجغرافيَّة للمنطقتين". وكذلك نفس الاتهام بأنَّ الحركة أبعدت شخصيات هامة من وفد التفاوض ذاكراً ياسر عرمان ومالك عقار مع علمه أنَّ هذين الشخصين مقالين شعبيَّاً ورسميَّاً من الحركة الشعبيَّة بقرارات جماهيريَّة في المؤتمر الاستثنائي في أكتوبر 2017م.
هكذا يكتبان وينقلان عن بعضهما للناس أباطيل الحديث وذربه وكأنهما لم يطلعا أو يسمعا بالضفة الغربيَّة وقطاع غزة حيث لا تجمعهما حدود مشتركة، ومع ذلك تعتبر المنطقتان إقليماً سياسيَّاً واحداً، هو السلطة الفلسطينيَّة! التهميش الذي طالهما بالرغم من مواردهما الطبيعيَّة الضخمة من أراضي زراعيَّة خصبة، والمعادن المختلفة، ومياه الأمطار الغزيرة، وبصفة خاصة النيل الأزرق وخزان الروصيرص. إذن، لماذا تعاني المنطقتان من هذا التهميش على الرغم من هذا المخزون الهائل من الموارد الطبيعيَّة والبشريَّة، والتنوُّع الإثني والثقافي والديني، إلخ...؟ إذ ينقص أهالي المنطقتين التوافق فيما بينهم في مسألة مواجهة المركز الذي يسعى بشتى السبل لاستغلالهم، وهذه محصلة إستراتيجيَّة فرِّق-تسد التي يسأل عنها ياسر عرمان.
إنَّ موقف القائد المناضل جوزيف تُكة ورفاقه من أبناء النيل الأزرق ووقوفهم جنباً إلى جنب مع إخوانهم في جبال النُّوبة لمشرِّف حقاً. وما موقع تُكة كنائب رئيس الحركة الشعبيَّة إلا دليلاً على أنَّها قوية ومتماسكة شعباً وأرضاً وليس للفصل الجغرافي أي تأثير. المتتبع لتاريخ مناضلي النيل الأزرق يدرك تماماً أنَّ الثبات على المبادىء فضيلة ونبل، فبدونهما لا معنى لحمل السلاح ضد أية حكومة والاستمرار فيه إذا كان لا بد مما ليس منه بد. فالرفاق الذين لا زالوا يتمسكون بالكفاح المسلَّح كوسيلة لنيل الحقوق، هم المؤمنون حقاً بعدالة قضيتهم وأنَّهم ليسوا كمن يركض وراء سراب الوظيفة والجاه. وخير مثال لذلك مالك عقار الذي قرأنا له وسمعناه يقول مراراً ما معناه" فترنا من الحرب"، ومع ذلك يتابع ياسر عرمان بدلاً من اعتزال العمل السياسي. فمالك عقار ليس هنالك ما يخسره إذا تنحى لأنَّه يمتلك من مسهِّلات العيش الرغد. على أية حال، لا يهمُّنا موضوع عقار ولا اعتقاده، ولا جلاَّب وما يؤمن به ويعيشه، ولا الجبوري وقناعاته بحتمية محاربة النُّوبة، فسنتركهم في حالهم وشأنهم، ولكن نقول لمالك وجلاَّب إنَّ وهج النضال باقٍ إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، و"الثورة مستمرة والخائن يطلع برة".
وفيما يتعلَّق بموضوع دول الجوار فلم تؤيد مصر ولا ليبيا يوماً ما تقرير مصير أية مجموعة أفريقيَّة طالبت به، فقد عارضتا من قبل تقرير مصير جنوب السُّودان، كما جاء اعتراضهما في المبادرة المصرية-الليبيَّة والتي دعت الحكومة السُّودانيَّة والمعارضة إلى تشكيل لجنة مشتركة مهمتها عقد مؤتمر للمصالحة الوطنيَّة، ربما على نمط المصالحة الوطنيَّة التي تمت بين الرئيس السُّوداني الأسبق جعفر نميري من ناحية، وزعيم الجبهة الوطنيَّة آنذاك الصادق المهدي من ناحية أخرى في بورتسودان عام 1977م. وقد صدق القول المأثور في السياسة وغيرها "إذا أردت لموضوعٍ صعب أن يموت... فشكِّل له لجنة"! بالطبع لم تضمَّن تلك المبادرة استفتاء الجنوبيين لممارسة حق تقرير المصير، النقطة الجوهريَّة للحركة الشعبيَّة، فرفضتها. ولا غرابة في أنَّ ياسراً كان جزءً لا يتجزأ من الحركة الشعبيَّة ولم يقل شيئاً.
مهما يكن، إنَّ خلو المبادرة المذكورة من حق تقرير المصير دفع الحكومة السُّودانيَّة إلى الموافقة عليها بدون تحفُّظ بينما قبلتها المعارضة الشماليَّة بتحفَّظ، ولم ندر حتى الآن ما هي النقاط التي تحفَّظت عليها، إذ هي اليوم تحترس بل تنتقد مطالبة النُّوبة بذات الحق دون أن تفعل شيئاً إيجابيَّاً لوقف المطالبة، حتى ولو إلى حين. هذه هي العقليَّة الاستعلائيَّة والخيانة بعينها. ولا شك في صحة ما قاله الدكتور جون قرنق أثناء تنويره لقادة الحركة الشعبيَّة العسكريين بعد لقائه مع الدكتور رياك مشار في مدينة قولو بيوغندا عندما حاول الأخير إقناعه للانضمام إلى أكذوبة السلام من الداخل بحجة أنَّ الحكومة وافقت على "منح" حق تقرير مصير للجنوبيين إذ لا "يُمنح هذا الحق كما تُمنح الهبة"، إلا في الحالة التي استخدم فيها ملك المغرب حنكة سياسيَّة حين أعلن للعالم الذي ضغط عليه من كل الجهات أنَّه "منح" ذاك الحق لثوار جبهة البوليساريو في الصحراء الغربيَّة التي تحارب المملكة المغربيَّة منذ 1973م. ولكن قضى الملك ولم يتم تنفيذ حق تقرير المصير حتى الآن. هذا المثل نضربه لياسر تذكرة له أنَّ هذا الحق لا "يُمنح" وأنَّما يُؤخذ بالقوة عندما تتعنَّت الحكومات ولم تلب مطالب واشتراطات التوافق بالتي هي أحسن، وبالقدر الذي ينبغي أن يتعايش به المتحاربون. فلو كان ياسر حقاً مقتديَّاً بالدكتور قرنق لتذكَّر ما قاله للدكتور رياك مشار في ذلك التنوير.
ففي نبرة غير توافقيَّة حاول ياسر الغمز على حال دولة جنوب السُّودان ليصفها بالفشل، فدولة السُّودان أفشل منها، إذ ليس هناك مقارنة أو مقاربة بين دولة نالت استقلالها قبل 64 سنة وأخرى مضي على عمرها 8 سنوات و3 شهور وبالكاد ثلاثة أسابيع تقريباً، فضلاً عن أنَّها خرجت على التو من حرب استنزاف شنتها عليها دولة السُّودان، وحرب داخليَّة قبليَّة، لا تزال أصابع دولة شمال السُّودان طرفاً فيها. الإطراء الزائد في الثناء على أنفسنا، حمَّلنا نحن الشماليُّون، إلى وصف ذواتنا ب"نحن أطيب شعب، ونحن أذكى وأشطر ناس، وأكثرهم أمانة، ونحن بنينا دول الخليج وعلَّمناهم". وأما إذا نجح واحدٌ منا وامتاز في مجالٍ معين خارج السُّودان ملأنا الأسافير باستعظام الأمر. أما في داخل السُّودان فحدِّث ولا حرج، فلا يعرف بعضنا بل الكثير من أو غالبيتنا إلا التشاجر لحد قتل بعضنا عمداً ومع سبق الإصرار وبآلة الدولة، وممارسة الاستعلاء العرقي والديني، والثقافي، والجهوي، وأكل مال بعضنا البعض، والمال العام بالباطل وإلخ... فما الفساد الماثل والحال الكئيب داخل السُّودان إلا شاهداً وصوراً حية لما نقول! وإذا سألونا وما هذا الذي يحدث في بلادكم إن كنتم كما تصفون أنفسكم؟ أجبنا: الإنقاذيون الإسلامويون هم السبب، إلا أنَّ الأديب الأريب الطيب محمد صالح - رحمة الله عليه – أضاف سؤالاً مهماً في استغراب واستنكار: و"من أين أتى هؤلاء؟"، فلعلَّهم أتوا من رحم هذا الشعب المسكين!
قد يعترض علينا بعض الذين لا يريدون سماع الحقيقة بأنَّنا تحاملنا على السُّودان والسُّودانيين بدلاً عن الأنظمة التي حكمت وتحكم، ولكن نجيبهم بأنَّ الأمر ليس كذلك لأنَّنا شعبٌ متنوِّع عرقيَّاً وثقافيَّاً ودينيَّاً، ذات تاريخ متنوِّع ضارب في القدم، شعبٌ له تاريخ حديث ومعاصر، ومع ذلك رفضنا الاعتراف بما جُبلنا عليه لذا فشلنا في إدارة ذلك التنُّوع. وفشلنا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوطنيتنا أو عدمها، وهروبنا بهويتنا العضوية، والثقافيَّة، واللغوية بعيداً عن محيطنا وتقمُّصنا لما ليس فينا، ولا نحن منه أو فيه. وقوله إنَّ الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان ستفقد التعاطف من "القوى الوطنيَّة والديمقراطيَّة" المعارضة، قولٌ مشكوك فيه إذ ليس هناك قاسم مشترك ولو بسيط بين تلك القوى والحركة الشعبيَّة. القوى التي ذكرها ياسر جملة تسعى فقط للمحافظة على امتيازاتها التاريخيَّة التي ورثتها من الاستعمار بكل أشكاله ومصادره الخارجيَّة المختلفة.
إنَّ ثورة الشباب السُّوداني البطل والنساء السُّودانيات الفضليات، سُرِقت بواسطة "القوى الوطنيَّة الديمقراطيَّة" وذلك واضح من المحاصصة الحزبيَّة والجهويَّة، إذ بإمكاننا ذكر أمثلة كثيرة غير أنَّ المجال لا يسمح هنا. أما الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال فولدت في السُّودان. فهي الحركة الوحيدة التي تسعى لخلق "سودان جديد" بعيداً عن الأيديولوجيات العرقيَّة والدينيَّة القمعيَّة المتطرِّفة، سوداناً بعيداً كل البعد عن التجمعات والجمعيات أو التكتلات العنصريَّة، فضلاً عن أنَّها تدعو للهُّويَّة السُّوداناويَّة.
ومن بعد، انتقل ياسر إلى الحديث عن مفهوم السُّودان الجديد ونقول له إنَّ المفهوم عندها يهدف إلى تحقيق الآتي: "سودان مستقر يعمه السلام والأمن المستدامين، وبناء دولة مواطنة حقة تتساوى فيها الحقوق والواجبات بعد التمييز الإيجابي لتضييق الفوارق التنمويَّة بين المناطق التي لها خصوصيتها وعانت من ويلات الحرب، ودولة ديمقراطيَّة عادلة في قوانينها وقضائها المستقل، دولة حرة اقتصاديَّاً ومتوافقة اجتماعيَّاً، ودولة قابلة للتطوُّر والاستمرار ولها القدرة على استيعاب تنوُّع السُّودان العرقي والإثني والثقافي والديني في أبعاده الأربعة: الوحدة في التنوُّع، والوحدة في التنوُّع التاريخي، والتنوُّع المعاصر. الدولة التي تضع حداً للعلاقة بين الدين والدولة بحيث يكون الدين لله والوطن للجميع. خارجيَّاً تتطلع الحركة إلى دولة تحترم علاقتها الدوليَّة المبنية على المصالح المشتركة، وعدم التدخُّل في شؤون الدول الأخرى والابتعاد عن التمحوُّر. وملخص المفهوم هو: داخليَّاً تتطلع الحركة الشعبيَّة إلى الوحدة المبنية على التنوُّع لأنَّه مصدر قوة الدولة السُّودانيَّة، وخارجيَّاً تتبنى سياسة الاعتدال بناءً على المصالح الوطنيَّة". أما إذا قارنا هذا المفهوم بما ورد في وريقته. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن من خلال أطروحة ياسر ب"العودة إلى منصة التكوين" هو هل كانت منصة تكوين السُّودان القديم قبل أو بُعيد الاستقلال مثاليَّاً لكي نعود إليها، ونغرف منها، ونتزوِّد بها، ونستلهم منها العبر والدروس؟ كلا لأنَّها كانت معوجة ومائلة!
مهما يكن، فذكره أنَّ الحركة الشعبيَّة استبعدت "قطاعات وقيادات هامة" فهذا ذر الرماد في العيون في مسعاه لنبش الفتنة التي ماتت، قاتل الله من أحياها بعد موتها. فكما ذكرنا في الحلقة الأولى، لم يتعلَّم ياسر شيئاً ولم ينس شيئاً، فها هو ينتقد الحركة الشعبيَّة لأنَّها ضمَّت في وفدها التفاوضي أفراداً من خارج المنطقتين الذين، حسب زعمه، طرحوا قضايا لا تعني المنطقتين، وهذا تناقض واضح لمواقفه السابقة. أفلم يكن ياسر هو ذلكم الشخص الذي كان قد استقدم طائفة من أصحابه من الخرطوم وغيرها كمستشارين، ودون الرجوع إلى مؤسَّسات الحركة في إحدى جولات التفاوض في أديس أبابا مع حكومة المخلوع عمر البشير حين كان أميناً عاماً للحركة الشعبيَّة، وذلك قبل أن تتخلَّص منه جماهير المنطقتين! أليس ياسراً هو نفس الشخصية التي ملأت الأثير ووسائل الإعلام قبل إقالته بضرورة حل قضية السُّودان حلاً شاملاً غير مجزأ بما في ذلك قضية دارفور، والشرق، ومسألة أهل بورتسودان، ومظاليم السدود بمنطقة المناصير؟ بلى! هو نفس الزول!
فلتوضيح التناقضات والتضاد في رؤى هؤلاء نقتبس مما كتبه أحد مستشاري ياسر عرمان القانونيين وهو الأستاذ كمال الجزولي بجريدة "الحوار المتمَّدِن" العدد 5800 بتاريخ 27/2/2018م وبعنوان "بين القوميين الجُدد والسُّودان الجديد"عن جولة محادثات السلام في أديس أبابا بعد إقالة ياسر عرمان. لقد كتب الأستاذ الجزولي: "اقتصرت (جولة التفاوض)، فقط، على جناح الحلو، أي على منطقة واحدة، لا على المنطقتين". هذا كان موقفهم وقتذاك أي قبل سنة وتسعة أشهر تقريباً، وهو نفس الموقف الآن، فما الذي تغيَّر إذن؟ نقول لا شيء غير أنَّ المصالح الشخصيَّة الضيقة.
وكل هذا لا نشك أنَّ ياسراً لعب بقضية المناصير لصالحه فأدرك ذلك الأستاذ علي عسكوري ابن المنطقة وحامي حماها ولكن في وقتٍ متأخر. والأستاذ عسكوري هو أحد قادة الحركة الشعبيَّة الذين عاضدوا وساندوا ياسر عرمان ومالك عقار، وكما هو صاحب المقال المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان "سقوط قائد" بتاريخ 10 يونيو 2017م. لقد كال فيه عسكوري سيلاً من النقد اللاذع للقائد عبد العزيز آدم الحلو ووصفه بأوصافٍ وكأنَّه لم يكن رفيقاً بالأمس! فلا فرحٌ لإنسان على مصيبة أخيه الإنسان، قدَّم عسكوري استقالته من تنظيم ياسر بعدما اكتشف دكتاتوريته وطرقه في العمل، وحينما تكشَّفت له ديمقراطيَّة وعلمانيَّة الحلو التي يقول ياسر، في تأييد مبطن للإسلامويين ليس هذا وقت الحديث عن العلمانيَّة وكأنَّه يزرع لغماً! أما القائد الحلو فقد وضع الأوراق فوق التربيزة للتفاوض فإما التوافق أو الفراق.
على أية حال، مهما قدَّم ويقدِّم عسكوري من استقالات أو كوَّن ويكوِّن من تنظيمات ك"حركة السُّودان الجديد أو تيار السُّودان الجديد"، فلن نحيد عن شكنا في جدية تلك الاستقالات أو التيارات. ومهما يكن، هذا هو ياسر لا يرتاح له بال ولا يستوي له جنب ولا تأخذه سِنة ولا نوم دون أن يجد موضوعاً يفتن به الشعب السُّوداني الكريم. فقبل أن يختم ياسر حديثه عن تقرير المصير لجأ إلى أسلوبه الاستعلائي المستفز ويكتب: "يجب" توحيد الحركة الشعبيَّة، فمَنْ يكون ياسر حتى يصدر مثل هذه التعليمات؟ فالأجدر به دعوة شركاءه الذين فزعوا وتباعدوا عنه، و"كأنهم حُمرٌ مستنفرة، فرَّت من قسورة" (المدثر/50)، للم شملهم.
نلخص إلى أنَّنا قدَّمنا في سلسة المقالات الأربعة نقداً منطقيَّاً للأستاذ ياسر سعيد عرمان الذي قدَّم ويقدِّم نفسه في كل محفل أنَّ بمقدوره وحده لا شريك له، حل المشكل السُّوداني بأطروحاته وأفكاره البعيدة كل البعد عن الواقع باستخدام العقليَّة الرجعيَّة الاستعلائيَّة بإخفاء الأوضاع الفعلية على الأرض، وإظهار ما لا قيمة له للإيقاع بين الشعب السُّوداني في محيطه الداخلي والإقليمي والدولي. فالشعب السُّوداني البطل مدرك تماماً ماذا يريد، وكيف ومتى يحققه، فهو ليس جيل الثمانينيَّات وما قبل. فقد عركت الأجيال الحالية الحياة عراكاً وتمكَّنوا بجذوة الطاقة الكامنة فيهم أن يفجِّروا ثورة سلميَّة يتحدَّث وما زال يتحدَّث عنها العالم، وكما هي امتداد لثورة الهامش السُّوداني في دارفور والنيل الأزرق وجبال النُّوبة وشرق السُّودان وشماله، بل في وسط السُّودان. ففي الحقيقة شباب وتلاميذ الدمازين هم الذين أشعلوا الشرارة الأولى في 13 ديسمبر 2018م والتي لم تنطفىء، ومن الإنصاف اعتبار ذلك التاريخ يوماً ل "ثورة شباب السُّودان الحديثة" وليس 19 ديسمبر 2018م.
موقف ياسر عرمان من علمانيَّة الدولة السُّودانيَّة لم يكن ضبابيَّاً فحسب، بل مؤيداً للدولة الدينيَّة التي عانى منها السُّودان وشعبه لفترات طويلة: الممالك القديمة في السُّودان لم تنته إلا بعد دخول الأديان إليها (المسيحيَّة الإسلام في منتصف القرن السابع (652م))، نتيجة للحروبات الدينيَّة التوسعيَّة؛ ثم فترة الدولة المهديَّة (1885-1899م) وما تلى تلك الفترة من تداعيات. والحق يقال لم يستقر السُّودان أبداً عندما تدخَّل الدين في السياسة – خاصة الإسلام - فمثلاً احتدمت مشكلة جنوب السُّودان بسبب الأسلمة والتعريب القسريين، كما أنَّ التنافس بين العقيدتين كان عنصراً آخر لمعناة الناس. لسنا ضد الأديان فالنزعة الروحيَّة متأصلة في أي شخص وما مهمة في حياته الفرديَّة، ولكنا ضد تسييس الدين، وتديين السياسة.
ولعلَّ جيل الثمانينيَّات قد شهد كيف كان السُّودان آمناً مستقراً في الفترة 1972-1983م بعد توقُّف الحرب في الجنوب تنفيذاً لنصوص اتفاقيَّة أديس أبابا للسلام عام 1972م. ولكن للأسف أُستئنفت الحرب اللعينة كرد فعل عنيف لشرعنة وأسلمة الدولة ضد رغبة المواطنين، خاصة جنوب السُّودان، ولم تقف الحرب إلا في فترتين هي: 2005-2011م بفضل اتفاقيَّة السلام الشامل، وفي ديسمبر 2018- 201؟م بفضل "ثورة شباب السُّودان الحديثة" التي لم تصل إلى نهاياتها بعد.
بيد أنَّ الإسلامويين غير توَّاقين للسلام كما هو بائن من محاولاتهم للتخريب، فلا ندري إلى ماذا ستنتهي إليه الأمور بعد الهدنة المؤقتة لأنَّهم الذين أشعلوا في دارفور المسلمة حرباً عنصريَّة وكما أعلنوا من خرطومهم الجهاد على النُّوبة المسلمين لتحقيق مآرب سياسيَّة لا علاقة لها بالدين. وبعد كل هذه القرائن يري ياسر عرمان أنَّ الوقت غير مناسب للمناداة بفصل الدين عن الدولة أو العلمانيَّة. فالعلمانية لا تلغي بأية حال من الأحوال الدين من حياة الناس أيَّاً كان ذلك الدين ومصدره، وأنَّما يجب ألا تتبناه الدولة وترعاه على حساب بعض مواطنيها. فإذن، العلمانيَّة تدعو إلى أنَّ الدين علاقة بين الفرد وربه، ولكن الوطن للجميع بحيث يكون دور الدولة الرقابة فقط درءً للفوضى، وعليها كفالة الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها. ولقد أوضح تسلسل الأحداث التاريخيَّة كيف ازدهرت الأمم عندما فصلت الدين عن السياسة بعدم التدخُّل في حياة الناس، وكيف قادت التربية الصحيحة والسليمة المبنية على الفطرة في تقويم مكارم الأخلاق والصدق، والأمانة، إلى تقدُّم تلك الأمم. وفي ذلك لأمير الشعراء العرب أحمد شوقي بيتين محكمين يقول فيهما:
والصدق أرفع ما اهتز الرجال له وخير ما عوَّد ابناً في الحياة أبُ
وإنَّما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبو

وأخيراً، نتقدم لكم بجزيل الشكر زوار ومتابعي موقع الشرق تايمز، كما نعدكم بتقديم كل ماهو جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، حيث قمنا بنقل ( السودان: فشل ياسر عرمان... (الحلقة الرابعة والأخيرة) .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول ) , والمصدر هو المسئول عن صحة الخبر أو عدمه.
المصدر : سودارس

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق