قيادي في النهضة: نتعامل مع النص الإسلامي كصامت ينتظر التأويل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الإنتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

اليوم، يُعقّب القيادي في حركة "النهضة" النائب في البرلمان التونسي، الدكتور محسن سوداني، على مساهمتين نُشرتا في "عربي21"، الأولى للكاتب والباحث توفيق المديني والثانية للكاتبة والإعلامية آسيا العتروس، وكلاهما في قراءة تجربة حركة "النهضة" السياسية، ولا سيما في مسألتي العلاقة بين الدين والسياسة، والموقف من المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة.

قيادي في "النهضة": نتعامل مع النص الإسلامي كصامت ينتظر التأويل 

أن تكون حركة "النهضة" مدار السجال السياسي والفكري داخل البلاد وخارجها لمن يهتم بالشان التونسي عموما، فذلك يحمل دلالة مهمة مفادها أن هذه الحركة، التي ظلت عقودا طويلة تحت مطارق الإستبداد الخشن والناعم على حد سواء، هي المفتاح الرئيسي لفتح العملية السياسية كما لغلقها. قبل الثورة، كانت حركة "النهضة" مغيبة بسبب سياسة القمع والاستئصال التي انتهجها النظام السابق، غير أن هذا الغياب الواقعي قابله حضور مكثف في الوعي السياسي. فلم يعفها وضعها ذاك من أن تتصدر هواجس الفاعلين والمحللين، بغض الطرف عن مقامها من تلك الهواجس رضا أو قبولا، اعترافا أو إقصاء. 

إن وجود حركة "النهضة" الْيَوْمَ  كطعم المعنى من المبنى السياسي التونسي الخرب لسنوات. ولقد تبين أن إقصاءها من المشهد لأكثر من عقدين زمن حكم الرئيس الأسبق بن علي شفط من المناخ السياسي التونسي كل رحيقه فإذا هو لا ينتج شيئا سوى اللامعنى. أما وقد عادت بعد الثورة فإنها كانت الموضوع الأهم في أداء التفكير البناء كما في فوضى الجدل العقيم. وفي كلا الحالتين، فإن حركة "النهضة" مثّلت حافزا على التفكير. فما من تقدير سياسي إلاّ ويستحضر هذه الحركة في تحليله دفعا للعلاقات بين الفاعلين فيقدر موقفه وموقعه وفق وضع "النهضة".  

الدين والسياسة

ومن بين أهم المسائل التي تثار عادة في هذا الصدد تلك المرتبطة بعلاقة الدين بالسياسة في منظور حركة "النهضة" وما تنعت به غالبا من قبل منافسيها وخصومها من أنها تخلط هذا بذاك. يُستدعى هذا الموضوع باستمرار ويستعمل ذخيرة لقصف حركة "النهضة" بتهم الرجعية والظلامية ويُلبس بها ثوب الحركة الدينية اللاهوتية التي تقدم الفهم الحرفي للنص على الاجتهاد والتي تعرض عن التاريخ ولا تعترف بمكاسب الحداثة السياسية وفِي مقدمتها المفاهيم المتداولة كالحرية والمساواة والديمقراطية وغيرها. والحق أن هذه التهم لا تصدر عن تقدير موضوعي لا لفكر حركة "النهضة" المنساب مع سيولة وتعقيدات التجربة التي عاشتها ولا لأدائها وهي تُمارس الحكم في مواقع متفاوتة من التأثير والفعل وضمن سياقات متباينة من علاقات القوة وموازين الضبط.

لا تنظر حركة "النهضة" إلى الإسلام كعلاقة روحية صرف تربط المرء بخالقه على غرار ما ورد في التعاليم المسيحية. بل تعتبر أن هذا التصور اختزالي ولا يؤدي إلا إلى إحداث شرخ داخل الذات تكون ترجمته العملية والنفسية مراوحة قلقة ومتوترة بين نقاء قيم السماء التي تسكر الوعي فتجعله في حالة انتشاء أقرب إلى فعل المخدر من جهة، والشوائب التي تخالط مشاغله وهو مثاقل ومنشد بطبعه إلى الأرض، من جهة أخرى. الإسلام في فهم حركة "النهضة" هو حقيقة لا تستقر فقط في ضمير الإنسان وتنكفئ هناك، بل تتجلى رؤية للاشياء وتصورا لكيفية تنظيم الحياة في كل المناحي بما في ذلك المنحى السياسي. وتمثل تجربة التغيير التي قادها الرسول الأعظم نموذجا لهذا اللقاء الرائع بين المثال المجرد والنزول إلى الأرض. والإسلام الذي تتمثله أدبيات "النهضة" هو طاقة دفع حضاري حولت أمة كانت تدفن المرأة حية إلى أمة لها الريادة في إنتاج المعنى. 

المكوث في أرض العقلانية الكلاسيكية وعدم مغادرتها من شأنه أن يحبس التحليل في الإطار الضيّق للعقل الأداتي الذي عمّق فلاسفة العقلانية المعاصرة وعلماؤها نقده وتفكيكه. "فنحن ندرك اليوم أنّه ليس العالم فحسب من يجب أن نسأله من قِبَلِ العقل، وإنما أيضا العقل ذاته هو الأداة التي يجب أن توضع موضع السؤال، إنّه أداة تخترقها الفجوات. وإن شئتم فإنّ اللاّئكية، على نحو ما تشكّلت في فرنسا، قد أُفرعت من محتواها، ذلك لأنّ التاريخ لا يتحرّك آليّا في اتجاه التقدّم وأن ليس للعقل فقط حدود وإنّما له أمراض أيضا"، ذلك ما خطّه المفكّر الفرنسي إدغار موران. إنه العقل الحسابي الذي يخنق الغرب اليوم والذي يفتتن به قطاع من مثقفينا في تونس.

حركة "النهضة" تصدر عن العقل التأمّلي في مقاربتها للأمور. ولا تريد ان تستنسخ تجارب التفكير الجاهز مهما كانت الصرامة المنهجية لمفاهيمه. وإذا كان بعض الدارسين والمهتمين بالشأن السياسي التونسي يرصدون في مواقف الحركة ما يدعو إلى القول إنّها لا تستقرّ على حال من قرار فذلك لأنّها لا تؤمن بالمنهج، لأنّ الدّرب يُرسَمُ ونحن نمشي. ذلك هو المنهج. يتأكّد هذا المعنى في عالم السياسة اليوم، حيث كل شيء في سيولة وحيث ترفع المراسي كل ساعة وتمحى الخرائط كل يوم. 

من الغريب الواقع أن أصواتا في الغرب ترفع اليوم عاليا لتدعو إلى الفصل بين الدولة والعلم على اعتبار أن هذا الأخير أصبح، في نظر مفكّرين هناك، الإطار المرجعي الذي خلف الدين وأن العلماء هم الرهبان الجدد للدولة وأنهم يقومون بنفس الدّور الذي كان يقوم به رجال الدين سابقا من تأمين غطاء نظري وتأصيل فكري لإرهاب الدولة الناعم غالبا، وأن هذه الاخيرة أصبحت تستمدّ سطوتها من صرامة العلم وقوته، من الغريب الواقع أن ترفع تلك الدعوات ولا تلقى من ردود الفعل الفكرية إلاّ التفاعل المحترم، بينما يثير مجرّد تحفّظ تبديه حركة "النهضة" على تقرير لجنة غير مختصّة ردود فعل من السيدات والسادة الحداثيين والتقدّمين شبيه في توتره بالخطاب التكفيري الذي يعصف بالعقل السلفي.

لا يتعلّق الأمر بالنسبة إلى الخطاب العلماني في تونس بمجرّد الفصل بين الدين والسياسة ولا بين الدين والدولة، فذلك أمر اجتهد فيه المؤسسون وضمنوه الدستور بإجماع واسع لا نظير له في تاريخ التصويت الديمقراطي، وإنّما يتعلّق الأمر بطرد الديني نهائيّا من الحياة. فإذا كانت اللائكية قد بدأت في الأوّل تصورا يفترض الفصل بين السلطات حتّى لا تكون للديني الدغمائي السطوة القاهرة على السياسي وحتى يضمن المجتمع حرية المعتقد والتفكير وحتى يحافظ الفضاء العام على التعدّد والإختلاف وحتى تكون القيم الإنسانية الكونية المشترك الضامن للتساكن بين الناس، إذا كانت اللائكية قد بدأت على ذلك النحو فإنّ المؤدّى الأخير الذي انتهت إليه هو الرغبة في إقصاء الديني من المجتمع أصلا. بمعنى أن ما كان يُفترض أن يكون مأسسة للتعدد والإختلاف الديني والفكري تقوم عليه الدولة بطابعها الحيادي وبسلطتها غير المنحازة، أصبح عند بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين في تونس وسيلة لاستبعاد الرؤية الدينية للوجود.
 
بعبارة موجزة، يريد هؤلاء ان يجعلوا من الدولة أداة لاستئصال ثقافة بعينها ومن ثمّة استهداف كل من وما يرمز إليها من الأشخاص والأشياء. وإذا كان الدستور التونسي الذي صيغ بروح علمانية قد نصّ على أن يكون الفضاء العام تعدّديا ومحايدا، فإنّ البعض يريد أن يجعل من العلمانية ديانة جديدة تقصي كل الديانات الأخرى. ديانة لديها عقائدها الخاصة ومبادئها وطقوسها وحتى محرّماتها الكنسية الخاصّة بها.

المثقفون واليتم السياسي

أتى على الخطاب السياسي في تونس حين من الدهر كانت فيه صرامة الخطاب الماركسي وتحررية الخطاب العلماني مغرية. وقد استفادت حركة "النهضة" من الخطاب الأول البعدَ الإجتماعي ومن الخطاب الثاني النَّفَسَ التقدمي. وكان لتلك الإستفادة الأثر البين في مسار التطور الفكري لخطاب "النهضة". وكان يفترض، بعد الثورة، أن تتقاطع التصورات عند حد محترم من المشترك السياسي في مقارعة الإستبداد فيكون ذلك رصيدا إضافيا يدعم الثورة التي تتطلب عزما أوفر للتصدي لاستحقاقاتها الثقيلة في مرحلة انتقالية عسيرة محليا وإقليميا ودوليا. غير أن ما حصل هو العكس تماما. فقد التحقت أغلب القوى اليسارية وجُلُّ النخب العلمانية بالثورة المضادة. وبغض النظر عن النوايا والمقاصد، فإن الأداء السياسي لتلك الأطراف كان يصب موضوعيا في مخطط إجهاض الثورة.

يتحدث الكاتب الفرنسي نيكولا دوت بويار Nicolas DOT POUILLARD في هذا السياق عن أن الثورة حاليا في اليسار مجمدة، ذلك أن هذا الأخير يعيش حالة يتم تام. فلم يعد له ذلك الغطاء السياسي الذي أمنته له السلطة القديمة.  كما أنه يفتقد الى الامتداد الشعبي.
 
لقد تحدث المراقبون بُعَيْد سقوط بورقيبة ومجيء بن علي عن "موسم الهجرة الى التجمع" في إشارة لالتحاق اليساريين بحزب الرئيس الجديد آنذاك. ومثلوا الجرعة الثقافية لرجل الأمن الذي كان عليه بن علي. فالتقت العداوة الأيديولوجية بالتوجس الأمني وكانت حملة الاستئصال التي طالت الإسلاميين. ولو لا القانون الإنتخابي المسعف للراسبين الذي صيغ بعد الثورة على مقاسٍ لكانت نتائج العديد من الأحزاب دون الصفر فاصل.
 
كل المتابعين للشأن التونسي يتذكرون كيف شارك اليسار ونخب علمانية متعددة في اعتصام الرحيل أمام المجلس التأسيسي يدعمهم نائب فرنسي مطالبين بإسقاط التجربة. وقد مثلت الأيديولوجيا في كل ذلك وقود الشحن العدائي ضد الإسلاميين إلى درجة أن أحد أهم مؤسسي حزب نداء تونس وأكثر الداعمين إعلاميا لاعتصام الرحيل وهو السيد نبيل القروي صرح أن قيادة التحرك وقتها كانت مستعدة لقتل عشرين الف تونسي لإسقاط حركة "النهضة". اعتراف اعتصرته منه الاختلافات والخصومات التي عصفت بحركة نداء تونس. وقد تنامت مطامع النيل من الإسلاميين في تونس حينها وتغذت بجدية أكبر عندما حدث الإنقلاب في مصر وبلغ الأمر بالعديد من تلك النخب حدا متقدما أن دعت الجيش الوطني بل فرنسا الى التدخل ووضع حد للتجربة.
 
ولا ينسى الشعب التونسي كيف تحولت قيادات يسارية وأخرى علمانية مناهضة للإسلاميين إلى اللقاء بالنقابات الأمنية التونسية وتحريضها على التجربة الوليدة. وكان اللقاء والتقاطع بين أطراف سياسية يفترض أنها مدنية وبين بعض النقابات الأمنية يفترض أنها محايدة، مناسبة لاكتشاف النَّفَسِ العنيف لتلك الأحزاب والطابع السياسي لتلك النقابات.
 
الفهم والإجتهاد

مثلما ورد في التقدير الفلسفي الأفلاطوني من أن النص الديني يرد صامتا يتكلمه الإنسان، كذلك تتمثّل حركةُ "النهضة" النَّصَّ الإسلامي. هذا الأخير ينتظر الاجتهاد والتأويل والفهم البشري حتى يحط على الأرض حقيقة مؤقتة. أدبيات الحركة تعتبر أن كل قول، بما في ذلك الإجتهادات المستقاة من المرجعية الإسلامية، هو يقين مؤقت وخطأ مؤجل. فلا تنتدب مواقفها أحكاما لا معقب لها. دليل ذلك مسار انتقالها وتجوالها بين المواقف. إنه مسار يتغذى من القاعدة الفكرية التالية: الحقيقة دائما في مكان آخر. أما النص فإنه مكتنز ومشبع بمعنى يؤمِّن له التمدد بحسب تضاريس الواقع وتعرجاته. ومجال الحرية وفرص الاختيار في روح الإسلام أرحب من حدود الإكراه حسب الأدبيات التي تتبنّاها "النهضة". 
 
مبدأ "خاتم الأنبياء والمرسلين" يعني، في ما يعني، بداية الاجتهاد وفتح الأفق رحبا للعقل حتى يغامر فهمًا وتفسيرا. هذه العبارة (خاتم الأنبياء والمرسلين) تعني أن الخالق جل شأنه وعلا قدره لن يمد الإنسان بأكثر مما أمّن له. وأن على هذا الأخير منذ تلك اللحظة أن يخوض تجربته بنفسه دون "وصاية إلهية"، لكأن العقل البشري قد بلغ مستوى من الاقتدار والكفاءة ما يؤهله للقول في الحقيقة ولَم يعد في حاجة وجودية أصلية لمرتقى كوني. يمكن القول باختصار شديد: إن النصوص ملزمة لكن التاريخ، تاريخ تأويلها، غير ملزم، النصّ أبقى. 

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة

النص الديني، بالنسبة إلى حركة "النهضة"، طليق عن الزمان والمكان، الشيء الذي يعني أنه يمكن تصوره قبل الفقه وبعده. إنه قائم بذاته قبل الاحتكاك بالواقع. ويمكن أن نتصوره في كل لحظة كذلك، أي قبل أن تمسه يد الفقه والتأويل. وإذا كان من المستحيل تصور الفقه وكل ضروب التفكير الإسلامي الأخرى قبل النص، فإنه بالإمكان حتما تصور النص قبل الفقه. يترتب عن ذلك أن النص مستعد للتلقي، حتى لَيَكِلُّ الخيال عن التصور ويجف عن الإبداع ولا يتوقف هو عن الإيحاء والعطاء. إنه مجهز للتمدد فلا تحنطه آراء العلماء كما أنه ممتنع عن الاستنزاف فلا ينفدُ بحكم فقهي أو مقاربة اجتماعية. "ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام. والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله". ثم أَلاَ يأتي القرآن يوم القيامة بكرا كأن لم يفسر؟! 

وبالمقابل، فإن هذا النص المكتفي بذاته لا يكتسب معناه إلا بتدخل الفكر. دورٌ كرم به الإنسان ونال به شرف الحوار مع المقدس. ولكن ليس أي إنسان، وإنما ذاك الذي يحترم مقام صاحب الخطاب الأصل معرفة عميقة راسخة في العلم وليس مجرد إذعان أعمى. الملفت في تركيبة اللجنة المحترمة، لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكّلها السيد رئيس الجمهورية، أن لا أحد منها له صلة ولو وهمية بمجال الإختصاص. 

هذه الغربة المعرفية عن أصل الإختصاص، بما تضمره من مخزون ثقافي يتوجّس منه التونسيون العداء الفكري اللين والناعم والمتدثر بلحاف الحداثة تجاه موروثهم الثقافي، كانت أول مثير لحفيظة المراقبين وعموم المواطنين.
  
التقرير الذي أعدته اللجنة الموقرة تعاطى مع مسالة الميراث كموضوع جزئي فانتزعه من سياقه العام. لقد تعامل التقرير مع النصوص الدينية ذات الصِّلة بالموضوع كما لو كانت شتاتا من الأفكار وشظايا من الأحكام وشذرات من الأفكار، بينما هي منشدة إلى بنية تفكير متكاملة. فليست تلك النصوص مقاطع متناثرة وإنما هي جمل فكرية لإيقاع أو نغم كامل هو رؤية للعالم وللإنسان. ينتزع التقرير تلك النصوص انتزاعا عنيفا من مجالها البنيوي والدلالي العام وينظر اليها كقطع مجزأة. بل يخرجها من الماء الثقافي الذي تتغذى منه ويستنطقها ويحاكمها على ضوء نظام إدراك للأشياء والناس مختلف تماما. نظام ثقافي للخصوصية الغربية يتدثر مغالطة بلباس القيم الكونية. إبداء الرأي تجاه هذا التقرير بالنقد أو التحفظ أو حتى الرّفض، يقابَلُ بردود فعل عنيفة من النخب الثقافية التونسية الداعمة له. ردود متشنجة تذكر بتلك الردود التي يبديها المتعصبون الدينيون في المجتمعات البدائية لما يتعلق الأمر بالتشكيك في أصنامهم ودياناتهم الخرافية. 

وإذا كان من حق دارسي الفكر الإنساني، الفلسفي منه أو العلمي مثلا، أن يروا في بعض النصوص الفذة لأساطين  الفلسفة والعلم وغيرهما راهنية متجددة تَعْبُرُ بوعيها النافذ أطواق الأزمنة والأمكنة وتعبّر عن نبوغ استشرافي لواضعيها، الشيء الذي يجعل منها نصوصا مرجعية ذات قيمة عالية يعتدّ بها حاليا رغم مرور مئات أو آلاف السنين عن تصميمها، فإنه من حق حركة "النهضة" أن تعتد بالقران الكريم ونبي الإسلام ككلّ التونسيين. فليس من الوجيه أن يحمل عليها ذلك مأخذا في الوقت الذي لا يرى غيرها أي حرج في الدفاع الصريح والعلني عن الشذوذ والمثلية. 

ما الحلّ؟
ليس من بديل عن الحوار، فبقدر ما تكون الفجوات بين التصورات أوسع تكون المناقشة أخصب.

وأخيراً، نتقدم لكم بجزيل الشكر زوار ومتابعي موقع الشرق تايمز، كما نعدكم بتقديم كل ماهو جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، حيث قمنا بنقل ( قيادي في النهضة: نتعامل مع النص الإسلامي كصامت ينتظر التأويل ) , والمصدر هو المسئول عن صحة الخبر أو عدمه.
المصدر : وكالات

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق